
و عدنا تلاقينا ع درج الياسمبن
-----------
"ورق الورد يغمر بيتنا
ودرج الورد ساحب ورانا
وبين الورد طاير بيتنا
وتحت الورد خيمة هوانا"
"إنهم جيراننا في الدرج "
" كنا متجاورين على درج واحد, تعارفنا , ثم تزوجنا"
نسمع هذه العبارات عند التعريف بين الأصدقاء في بعض الأحيان .
ثمة حارات في عمان تقع على الدرج .
يصل الدرج بالبلد والسوق ، وتصل ما بين الجيران ألفة وعلاقة من نوع خاص .
التجول في عمان القديمة ؛ يعني الانتقال من جبل إلى جبل ، أو من البلد إلى الجبل الدرج فيها وسيلة مواصلات , ومقاعد تتيح للصاعدين الجلوس إن نالهم تعب .
وللتجول في عمان القديمة متعة خاصة ، تمتزج فيها دهشة الطفل إذ يقوده الدرج لفضاءات جديده تباغته ؛ فيما هو يهبط , أو يصعد الدرج .
إلا أن فقد أماكن حميمة نال منها الهجر والإهمال ، تبعث الألم والحزن إذ تحكي للعابرين عن أطفال وطفلات تعاقبت خطواتهن , ولمن يمعن النظر سيكتشف كيف اهترأ الحجر وذاب تحت وطأة الغادين والقادمين ، لقد كان الدرج الحجري لهم ملعبا ؛ يلوذون به عن الحر والنهر, يمارسه الكبار على الصغار ، والأهم من ذلك , أنه يق أجسادهم الغضَة من خطر مداهمة السيارات.
. . في الصباح تشرع أبواب البيوت ويندفع الصغار إلى مدارسهم والكبار إلى أعمالهم ؛ يلتقون على الدرج ، يتبادلون التحيات ، يتحدثون ويتفقون عن الكيفية التي سيقضون فيها فترة بعد الظهر , الكبار منهم والصغار, ثم يفترقون!
أثناء غياب الصغار تلتقي النساء على الدرج ، يجتمعن بعيدا عن البيت , وفي نفس الوقت
لا يبتعدن عن متابعة مسؤولياته.
تدور القهوة ، بتلقائية في كل يوم جديد قهوة جديدة بمذاق مختلف ، حسب البيت الذي يستضيف الجارات في ذلك اليوم.
تتبادل النسوة أخبار القاطنين في الدرج , وقد يتهامسن بأخبار سكان الأدراج المجاورة إن كان هناك قصة شيقة ! فيما تعمل أيديهن بتقطيع الخضار أو نسج الصوف.
في الظهيرة . . يحتل الأطفال الدرج ؛ إنه الملعب ، البنات والأولاد ، كل له لعبته.
يبدأ العمل لدى الأطفال في اللحظة التي يصل الواحد منهم باب بيته ؛ يلقي بحقيبة كتبه في
مدخل البيت ويسارع للانضمام لرفاق الدرج ، إلى أن تتسلل رائحة الطعام مع اقتراب قدوم الأب ، ليهرع كل إلى بيته .
وفي الأماسي ؛ وخصوصا أماسي الصيف ؛ يصبح الدرج مكانا للسهر والسمر.
ويبدأ الأعداد لذلك , بشطف الدرج وري النباتات المزروعة على جنباته الدرج ، تفرش البسط
والسجاجيد الصغيرة , والبعض يضع كراسي القش الصغيرة ، وغالبا ما ينفرد الرجال بالدرج في الجلسات المسائية ، يلعبون الطاولة ويدخنون الأرجيلة , فيما صوت المذياع يبث الأخبار تباعا لترتفع حدة الحوار , تصل في بعض الأحيان إلى النزاع , الذي غالبا ما ينتهي بإلقاء تحية المساء أو قد تمتد حتى الصباح.
اليوم هناك نسبة كبيرة من سكان عمان لم تعرف الأدراج.
وهناك من هجر الدرج إلى الضواحي الجديدة. إلا أنه قد يحلو له بين الحين والآخر أن
يصعد أو يهبط الأدراج ، يرنو إلى عشبة صغيرة لم تطالها الأقدام يبحث عن حكاية قديمة
؛ قد يصادف أطفالا يلعبون ؛ أو محبيَن لاذا عن أعين الفضوليين.
أجمل ما في الأدراج أنها لابد أن تفضي إلى مكان مختلف ، بعضها يقود إلى ضجيج الأسواق
وآخر قد يؤدي إلى ضاحية هادئة ، ما بين صعود أو هبوط .
وأجمل الأدراج ما بني من الحجر؛ حيث يفسح لمياه الأمطار أن تتسلل من شقوقه ، فتنتعش بذور أشجار ونباتات انتظرت قطرات المطر طويلا لتزهر وتعشوشب ، وتزين حواف الدرجات في فصل الربيع.
كانت الأدراج تتعامل وكأنها جزء من البيت ، يتقاسم الجيران الأدوار في المحافظة على نظافته ، وأيضا بالعناية في النباتات المزروعة على جنبيه .وتتشابك أشجار الزنزلخت
بشجيرات الياسمين تلقي بظلالها على المارة وعلى مدخل البيت.
لكل مكان ثقافته . يستل مفرداته وحكاياته من تفاصيل المكان ، ولساكني البيوت الواقعة على الدرج في المدن الجبلية أغانيهم .
الأدراج القديمة في عمان ؛ توارت عن الأنظار بفعل البناء التجاري ؛ وتفوح منها رائحة
الهجران الموجع.
فيما تضج بالأنين من الأدراج الإسمنتية ، بذور نشأت وترعرعت عقودا في الأرض ؛ إلا
أن الخرسانة المسلحة لم تتح لها التمتع بدفء الشمس. فخلت من ظل يلوذ به المرء أثناء صعوده أو هبوطه .
التجول في الطرقات القديمة وخاصة الأدراج ؛ متعة وفسحة للتأمل ومكان نواري به حزننا من أعين الفضوليين لغياب صديق أو مفارقة عزيز غال . يحضننا بظله ويحتفظ بسرنا.
"درج الإيام يا طالع طالع
درج الإيام لعندن طالع
واللي بينلام ما بقى ينلام
والعمر ساعة ع درج الإيام
حبينا سنين ونطرنا سنين
وعدنا تلاقينا ع درج الياسمين"
You need to be a member of أردن مبدع to add comments!
Join أردن مبدع