حوار المشتقات المنقوص

د. عبد الله النسور هو ثالث وربما رابع رئيس وزراء على التوالي يستعمل خيار، "سأرفع أسعار المشتقات النفطية لسداد العجز وإلا....!!!؟؟؟" وربما لقسوة هذا التهديد والوعيد، تبعهم الكثير من المحللين إلى غياهب حوار مضن ومؤلم، دون أي نقاش للخيارات والبدائل الأخرى الممكنة لحل مشاكل الحكومة وموازنتها التي قد تكون خارج هذا الحوار تماما. فحين تضع الحكومة مشكلة ارتفاع عجزها بهذا الشكل، وهو حوار منقوص وغير علمي، يصبح الحوار مؤذيا لتطلعات الأردن وطموحه ويقود لا محالة إلى الإضرار بالاقتصاد.
السؤال الذي تطرحه الحكومة سؤال خاطئ، فهي تحصر الحلول في قطاع الطاقة وكأنه ليس بأوجه إنفاقها الأخرى أي خلل، وإن كان هنالك خلل، فهو غير قابل للنقاش، لماذا؟ لأنها لا تطرحه للنقاش! فهي تضع أمام الشعب الخيار الوحيد، وهو رفع أسعار الطاقة، وتخرج بشعارات أن الدعم لا يذهب لمستحقيه وكأن أوجه إنفاقها الأخرى تتم بكفاءة، وهو تفاد ذكي، بل وربما كسول للمشكلة الحقيقية وحلولها.
وأؤكد على أنه توجد حلول أخرى تتجاهلها الحكومة ربما من باب الكسل أو الصعوبة والمشقة عليها لأنها تحتاج إلى جهد خالص وشجاعة ذكية غابت عن ساحات القرارات الاقتصادية لعدة سنوات الآن. ولو تمعنت الحكومة قليلا في ما تطرحه، لوجدت أن طرحها يؤطر هذا الحوار في قطاع الطاقة فقط، وليس الاقتصاد الكلي، وبهذا فمن حيث المبدأ، يجب أن تعترف هي ومن يروج لقراراتها بأن الحوار منقوص وخاطئ.
فأين الحديث عن التقشف (واقصد هنا تقشف فعلي ومدروس) في الموازنة في الخطاب الحكومي؟ ألا يعني التقشف تقليلا في النفقات؟ فلماذا ينحصر حديث التقشف في الدعم المزعوم بدلا من البحث عن جيوب الترهل وجميع أوجه إنفاق الحكومة؟ أذكر أن الحكومة البريطانية قبل بضع سنوات منعت شراء عبوات الماء في جميع المكاتب الحكومية لتقلل من نفقات الحكومة، لماذا لا نقوم بمئات من هذه الإجراءات هنا لكي يحس المواطن فعلا أن الحكومة تتقشف؟
دعونا نأخذ بعض الأمثلة على أوجه التقشف المحتملة: تستطيع الحكومة عندنا أن تستبدل المكيفات في المكاتب بمراوح، والسيارات الكبيرة الفارهة بالصغيرة الأكثر اقتصادية في استهلاك الوقود (الحكومة أكبر مؤسسة مستهلكة للطاقة في الأردن)، وأن تقلل من رحلات الوفود الرسمية، والمياومات وعدد المرافقين لتوفر بضع ملايين، وأن تخفّض تذكرة المسؤول من الدرجة الأولى والأعمال إلى العادية (حسب نظام الأمم المتحدة حتى كان بيمون، السكرتير العام للأمم المتحدة، يسافر بالدرجة العادية إلا إن فاق طول الرحلة تسع ساعات)، وتخفض من موازنة الأمن الذي يستهلك ثلث موازنة الحكومة، وتدمج المؤسسات المستقلة (يوفر دمج ثلاث هيئات رقابية 80 مليون دينار)، وتقلل عدد الموظفين في المؤسسات القائمة، وتبيع بعض مباني هذه المؤسسات مباشرة بعد الدمج لتضخ عشرات الملايين في موازنتها، وتؤجل تقاعد الوزراء ورؤساء الوزراء والنواب (غالبيتهم من الموسرين ورجال الأعمال الذين لا يحتاجون إلى هذا التقاعد رغم سخائه) حتى سن 65 وهو سن التقاعد المفروض علينا جميعا لنوفر بذلك ما يزيد على 25 مليون دينار سنويا (فهل يعقل أن يتقاعد المسؤول لدينا حتى قبل وصول سن الأربعين؟)، وتحويل 90% من مكافآت مجالس الإدارة لممثلي الحكومة فيها إلى خزينة الدولة، وتخفيض أجور المستشارين والموظفين من ذوي المؤهلات العالية بعقود والتي أصبحت بالملايين وتفوق ما يستطيع تحمله كبرى شركات القطاع الخاص، والاستفادة من القروض المعطلة ذات الفائدة القليلة كالقرض الفرنسي للباص السريع (167مليون دولار بفائدة اقل من 4%)، واستخدام مصابيح الإضاءة ذات العمر الطويل بدلا من اللمبات العادية، واستخدام الطاقة الشمسية لإنارة الشوارع والمكاتب الحكومية لتوفر عشرات الملايين، وغيرها من مئات الإجراءات التي لن تقض مضجع الوسط الأمني كتسريح عشرات الآلاف من موظفيها.
ألم يتحدث مسؤول حكومي سابق وقبل شهور فقط تحت قبة البرلمان عن وجود هدر بقيمة 15% (مليار دينار) في الموازنة؟ لماذا لا تقلل الحكومة من الهدر في المال العام، وهو مال كل أردني، وحجمه السنوي اكبر من كل الأموال التي ذهبت لجيوب الفاسدين؟ من الواضح أن الحكومة حصرت التقشف بالناس ومؤسساتهم وليس بها وبمؤسساتها، وكأن أجهزة الحكومة وسبل إدارتها للأمور خطوط حمراء كثيرة لا يمكن المساس بها أو التمحيص في كفاءتها.
بصراحة: عزيزتي الحكومة، التقشف يعني أن تُقلي من جميع أوجه إنفاقك وليس فقط على الطاقة، والحوار المبتور يضر بنا وبك، فمن ناحية يقوم حوارك ببث التشاؤم والتراجع الاقتصادي بيننا ويمكنك في الاستمرار من الإدمان على ترهلك الإداري، وكلاهما ضار. لذا، أنصحك بالعودة إلى سياسة تقشف حقيقية، وسنساعدك على تحقيقها إن شهدنا صدق نواياك وأفعالك.

30\10\2012 العرب اليوم

Views: 99

Tags: ادارة؛, الاردن؛, الاقتصاد؛, الموازنة؛, النفط؛, انفاق, تقشف؛, مشتقات, هدر؛

Comment

You need to be a member of أردن مبدع to add comments!

Join أردن مبدع

Latest Activity

Doha Abdelkhaleq Salah posted a blog post

في الخطاب المهم والخطاب الإلكتروني

ضحى عبدالخالقالتحقتُ بركب الحياة عبر نافذة جيل فخور ومُتعاطف ومنخرط بتفاصيل عمره الخاصّة، والتي من أبرزها أنه كان دوما في حالة من التأهّب بانتظار حدوث شيء ما مهم جدا واستثنائي، في طريقه إلى الانعقاد! ومن ذاكرة مرحلتي العُمريّة، وُجد على الدوام أيضا قائدٌ مهم جداً، في طريقه لإلقاء خطاب مهم جدا، وواجب الاستماع إليه! عندها فقط قبلنا بأوامر سلطة المدرسة والمنزل بالتهدئة، وامتنعنا عن إثارة الشغب، أو إحداث الفوضى، ومُنع التجوال و"انضبّ" الأولاد والبنات وكلّ المُتعلّقات من حولنا. وتوقّف الصغار كما…See More
17 hours ago
Yusuf Mansur posted blog posts
yesterday
Yusuf Mansur posted blog posts
Saturday
Ahmad Sami updated their profile
Friday
Adli kandah posted a blog post

ضمان ودائع البنوك الإسلامية وزيادة الثقة بالجهاز المصرفي

 جريدة العرب اليوم10/06/2013 د.عدلي قندح  التعديلات التي أقرها مجلس الوزراء على قانون مؤسسة ضمان الودائع رقم 33 لسنة 2000 بناءً على تنسيب مجلس إدارة مؤسسة ضمان الودائع، وبعد الحصول على موافقة مجلس الإفتاء العام في المملكة، التي بموجبها دخلت البنوك الإسلامية الأربعة العاملة في المملكة تحت مظلة مؤسسة ضمان الودائع لمبلغ الوديعة التي تقل عن 50 ألف دينار، خطوة بلا شك تستكمل وضع البنوك العاملة في الأردن كافة على المسار الصحيح.إن أهمية هذه الخطوة تنبع من كون أن حصة البنوك الإسلامية الأربعة تصل إلى…See More
Jun 10
Doha Abdelkhaleq Salah posted a blog post

في الإستقلال الجديد

في الاستقلال الجديدبقلم ضحى عبدالخالقتناول بعض المواقع الإلكترونية توقيت انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي "دافوس" في الأردن، والذي تزامن مع يوم الاستقلال، بشيء من السلبيّة. فلاحتفاليات يوم الاستقلال في تاريخ ووجدان عدد مهّم وكبير من الأردنيين، طقوس ومرجعيّات لم يكن مُدرجا فيها قط افتتاح مؤتمر دولي يحمل اسم مدينة محظيّة من سويسرا، أو حتى الحديث باللغة الإنجليزية؛ فهو اليوم المشحون اختزالا لذاكرة جيل عتيد من بناة الدولة الأوائل، من رجال تضحية وأشاوس، نشأت على صوت المعارك، وتربّت في زمن المرابطة…See More
Jun 6
Yusuf Mansur posted blog posts
Jun 4
Yusuf Mansur posted a blog post

نصائح من جوزيف ستيغلتز

زار الأردن قبل ايام احد أهم نجوم علم الاقتصاد، البروفيسور جوزيف ستغلتز، الحائز على جائزة النوبل في الاقتصاد (2201) نتيجة عمله وبحوثه في ما يسمى "المعلومات غير المتماثلة" (أي عدم تساوي المعلومة بين طرفي عملية البيع والشراء أو المبادلة)، واستضافه مشكورا المجلس الاقتصادي والاجتماعي ومعه ثلة من المهتمين بشؤون الاقتصاد في الأردن وتحدث هذا العالم النابغ عن عدة أمور ألخص بعض أهم النقاط منها هنا.لقد أضر أمريكا وجود وتنامي اللامساواة أو العدالة في توزيع الدخل باقتصادها، خاصة أن 1% من السكان أصبحوا…See More
Jun 2
Rashad Hurani commented on Yusuf Mansur's blog post Letter of intent
"I think the EMF is playing the role of a caring mother- try your best my son, I promise everything will be alright; and the government knows that and plays accordingly. The process on the ground that counts, and it is as astray as ever."
May 28
Yusuf Mansur posted blog posts
May 28
Yusuf Mansur posted blog posts
May 27
Adli kandah posted blog posts
May 23
Creative Commons License
Except where otherwise noted, this site is licensed under Creative Commons 3.0. Feel free to share and remix in any way you choose - explore, create something remarkable and spread it!

© 2013   Created by UrdunMubdi3.   Powered by

Badges  |  Report an Issue  |  Terms of Service