دعونا لا نغرق في واد من اليأس، ودعونا نتمسك بحلم جميل وهو أن الأردن أجمل، واقتصاده أقوى وأقدر (حتى من المرحلة)، ودعونا نتسلح بالأمل في أن الغد القريب سيكون أفضل. ولنلمس السماء، ولنسد آذاننا عن عويل غراب لأن صوت العقل ودقات القلب أعلى واكبر، نعم دعونا نصحو لأردن أكثر إشراق.
كل هذه عبارات مرت ببالي اليوم وأنا اقرأ في الصحف أن الحكومة ستوجه جزءا من المنح القادمة من دول الخليج نحو مشروع شبكة سكة حديد وطنية، فعادت بي ذاكرتي الى 1994 حين كنت أستاذا للاقتصاد في جامعة مؤتة الحبيبة وكرك النبل والشهامة والكرم، وأنني حين طرحت الفكرة على طلابي أن يرتبط أقصى الشمال بأقصى الجنوب بشبكة سكة حديدي ضحك بعض الطلاب والطالبات، وقالت طالبة، "الكرك يصير فيها سكة حديد يا دكتور، هذا من رابع المستحيلات". فقلت لها مباشرة: لمَ لا، وبدأت بسرد تجربة مررت بها في بريطانيا قبل الذهاب لأمريكا.
التجربة بطلها زميلي مايكل في جامعة شفيلد هالام في بريطانيا، حيث كنت أدرس هندسة الميكانيك حينها وقبل ان اعشق الاقتصاد.
مايكل كان يعيش في احد القرى القريبة من مانشستر، وهي مدينة تبعد عن شفيلد حوالي 60 كلم يضاف اليها المسافة (15 كلم) من قريته الى مانشستر، وكان يعيش في هذه القرية مع أهله وزوجته في منزل والده ويأتي بالقطار كل يوم ليدرس معنا كل يوم في شفيلد.
مايكل كان من أنجب طلاب قسم الهندسة، لم يضنه سفر ما يقارب 150 كلم كل يوم لأنه كان يأتي ويذهب بالقطار، ويتناول إفطاره ويحل الوظائف ومن ضمنها الرسوم الهندسية المطلوبة في القطار. وكانت الرحلة تستغرق تقريبا ساعتين ذهابا، ومثلها إيابا، فكان يدرس يوميا ومنذ بداية الفصل أربع ساعات وبجو مريح.
العبرة أن وسيلة النقل هذه مكنت طالبا من أن يسكن في مدينة يتمتع فيها بالدعم الأسري، ويدرس في جامعة ما كان ليصلها كل يوم لو لم يكن هنالك قطار يوصله بتكلفة زهيدة، ويوفر عليه شراء سيارة، وعبء الوقود، وإضناك التركيز على الطريق، وعناء القيادة، ومخاطر السفر. هكذا مكنت بريطانيا ابنها ومئات الآلاف من أمثاله من أن يبدعوا ويحققوا حلمهم في التعلم بأقل التكاليف والعناء.
القطار هو أكثر وسائل النقل البري أمانا، وسورية ومصر لديها شبكات قطارات تخفف من عبء استهلاك النفط لديها رغم أنها دول منتجة للنفط، وتنقل الفقراء والأغنياء على حد سواء، وتوفر عليهم شراء السيارات وتهجير أسرهم من مدينة لأخرى طلبا للتعلم أو الوظيفة.
حتى أمريكا الدولة التي كانت في بداية القرن العشرين الأكثر انتاجا في العالم للنفط، وأم الرأسمالية لديها قطار يصل شبه القارة من المحيط الى المحيط. ودبي، الدولة الخليجية الصغيرة أصبح لديها مواصلات عامة كهذه لتوفير الازدحام وتكلفة الطاقة رغم رخص كليهما لديها مقارنة مع الأردن.
كتبت كثيرا عن هذا الحلم، وتحدثت عن آثاره الايجابية وعلى مدى عهدين من الزمن، وتطرقت الى المنافع المتأتية من المشروع كتخفيض الفاتورة النفطية، وتقليل نسب التلوث الهيدروكربوني، وتمكين أبناء المحافظات من العمل في مناطق أخرى دون الحاجة الى هجر العشيرة والقرية بحثا عن منزل في عمان بتكلفة اكبر، وفقدان بيئتهم المحلية للمنافع المتحققة من مواهبهم ودخلهم وإنفاقهم، وتمكين المستثمرين من الاستثمار في المحافظات، وعن حماية الأرواح المهدورة في حوادث السير، وعن تواصل المجتمع وترابطه، وعن فتح العقبة لأبناء الوطن فلا تكون قريبة فقط لمن يملك سيارة، وعن تشغيل النساء فلا يكون بعد المسافة عائقا لتطور حقوق المرأة وغيرها من المنافع.
ما أجمل هذا المشروع، والذي حين يتم البدء بتنفيذه سيضخ استثمارات بالمليارات وانشطة تجارية ومشاريع بلا سقوف، وما اروع هذه الفكرة التي ستزيد من تلاحم الوطن، وتقرب من تباعد الأهل والعشيرة. نعم كان حلما جميلا، ويكفيني اليوم بأنه سيتحقق بعد عقدين من الزمن. ما أجمل الوطن، اليوم احبك يا اردن اكثر واتفاءل بك وسأظل طامحا أن تكون وطني الصغير الحميم الأكبر. العرب اليوم 9/10/2012
Doha Abdelkhaleq Salah posted a blog post
Yusuf Mansur posted a blog post
UrdunMubdi3 posted a discussion
Yusuf Mansur posted a blog post
huda -alhanayfah posted a blog post
Yusuf Mansur commented on Yusuf Mansur's blog post سخان شمسي وقرارات أخرى
Rashad Hurani commented on Yusuf Mansur's blog post سخان شمسي وقرارات أخرى
© 2013 Created by UrdunMubdi3.
Powered by
You need to be a member of أردن مبدع to add comments!
Join أردن مبدع