الحكومة والقرارات الأحادية

لو أننا كنا كشعب، نعتقد أن الحكومة أو الحكومات فعلت أو تفعل كل ما بوسعها لتخفيض كلفة الطاقة على المواطن -في بلد ليس فيه بديل لما تقدمه له هذه الحكومات من سُبل لاستهلاك الطاقة أو مشتقاتها- لما أحس أحدنا بالغبن كلما رفعت حكومات الرفع السعار والكلف علينا؛ وها هي ترفع أسعار البنزين بقرار أحادي ومفاجئ وكأنها بالفعل تعلم صحيح الأمور من غثها.
وضعت الحكومة استراتيجية للطاقة في منتصف عام 2004، أي بعد حرب العراق الثانية بعام، وتمكن الأردن من التعامل مع مستجدات الطاقة، مع انتهاء عصر تزويد الحكومة بالنفط حسب معادلة ميسرة من قبل النظام العراقي السابق والذي كان يمنح الأردن منذ بداية التسعينيات نصف فاتورة النفط من دون مقابل والنصف الآخر بسعر أقل بخمسة دولارات عن سعر حوض البحر المتوسط، ثم تبيعه الحكومة بكامل السعر مضافاً إليه هامش بسيط 16 بالمئة لها كونها الوسيط. وكانت هذه المعونة تذهب للحكومة ولا يحس المواطن بشيء منها.
ولتمكين الأردن من التعامل مع الوضع الجديد تلقت الحكومة 700 مليون دولار في 2003 كدعم من أمريكا للحكومة لتتعامل مع فقدان الدعم من العراق، وحين بدا واضحاً لها بأنها لن تتلقى هذا الدعم سنوياً وأن سعر النفط ارتفع وسيستمر في الارتفاع تلكأت بوضع استراتيجية للطاقة.
طبعاً أتت الاستراتيجية متأخرة، فمبدأ وضع الاستراتيجة هو للتفكير بالمستقبل وليس بعد أن يقع الفأس بالرأس. ولكن يبدو أنه لا ضير من ذلك أيضا لأنها لم تنفذها أو تعمل ببنودها، بل ركّزت على ناحية واحدة منها وهو جانب الطاقة النووية التي لا تلقى استحباباً في الشارع الأردني لا لكلفتها فقط بل لخطورتها، خاصة بعد حوادث اليابان وخسائرها.
الغريب أن تصر الحكومة على الطاقة النووية وتتناسى بنوداً أخرى تتعلق بمصادر الطاقة البديلة كالشمس والرياح... وهي الأسلم والأنظف بيئياً، حتى السيارة التي تعمل بطاقة كهرباء مولدة شمسياً وهي فكرة ذكية ووطنية محضة، ذهبت مع المسؤول الذي اقترحها وطالب فيها.
وها نحن مستمرون في الاعتماد الكلي على شركة المصفاة التي تعمل كمنتج غير كفؤ بأي معيار وكمحتكر للتوزيع والبيع، ورغم التقارير المتتالية التي تتسرب بشأن تدني مستويات الإنتاج وخطورة وعدم ملاءمة بعض المخرجات، نستمر بدفع ثمن كل هذا في أسعار نفط تفوق ما يدفعه مواطني دول أثرى من الأردن بكثير لمشتقات أدنى مستوىً وأضر بالبيئة مما يحصلون عليه.
كل هذا رغم علمنا جميعاً أن احتكار الشركة لنا ولاقتصادنا انتهى منذ ما يقارب 5 سنين الآن.
وحسب مصادر رسمية فإن تدني الكفاءة الذي يصل إلى أقل من نصف المستوى المطلوب عالمياً يؤدي إلى رفع الكلفة على المواطن والقطاعات الإنتاجية ومن ضمنها الكهرباء (ذات الاحتكار والتي تنعم بتدنِ الكفاءة أيضاً). أيضاً ها نحن ندفع الثمن مراراً وتكراراً لتدنِ هذه الكفاءة مع استمرار بل وتعميق هذا التدني عاماً بعد عام.
ورفعت الحكومة الرسوم الجمركية على السيارات ومنعت استيراد القديمة منها لا لسبب بل لرفع دخلها هي (550 مليون دينار في عام 2011) على حساب المواطن الذي لا يملك وسائل نقل عامة لائقة أو منتظمة، وعطّلت تنفيذ الباص السريع لأكثر من عام من دون حسيب وليس لسبب آخر غير أنه يحتاج إلى بعض التمويل منها (من الرسوم والضرائب التي ندفعها) إضافة إلى قرض ميسر وفائدة تقل عن تلك التي تدفعها الحكومة للقروض الأخرى التي تدفع رواتبها.
لا يوجد وسائل نقل عام لائقة لتستمر السيارات في الأردن كأحد أساسيات الحياة فيها ولتفوق نسبة نموها نسبة نمو السكان، فتستفيد الحكومة والشركات المصنعة في الخارج على حساب جيب المواطن الأردني، ليصبح هذا الشعب الذي يُعد الرابع عربياً -من حيث تدنِ مستوى الدخل بعد السودان واليمن وسورية- من أكثر الشعوب العربية ملكية للسيارات الخاصة.
ولأن الحكومة تحتكر من دون منازع حق اتخاذ القرارات استمرت في منافسة المشغلين على التوظيف بمرتبات خيالية أحياناً، ومنافسة المقترضين في الاقتراض وبأسعار فائدة وزخم من القروض يمكن وصفها بأنها تستهتر ما يدفعه الناس من رسوم وضرائب، ثم تقوم الحكومة برفع الرسوم والضرائب لتسديد دينها الذي جنته بيداها وكلفة خدمته التي لم يناقشها أحد.
وحين تعلو أصوات الانتقاد من خارج ركب الحكومة وغير المأجورين لها أو المنتفعين منها تضع قانوناً جديداً للإعلام لتكميم أفواه أصحابها وانتقاداتهم ، وتقرر حجب المواقع الالكترونية -أحادياً- لكي لا تزعجها أصوات الانتقاد بحجة أن هذه الأصوات غير ناضجة كفاية، وكأن الحكومة أو الحكومات المتتالية هي من كان يتحلى بالنضج في الحوكمة.
الأمر الجلي لكل مراقب أن الاقتصاد الأردني لم يعد يعمل إلا كأداة لدفع للحكومة ولسبر غور انعدام الكفاءة لديها؛ والواضح أيضا أن الحكومة، بتدنِ كفاءاتها وارتفاع مستويات احتكارها غير المراقب أصبحت المعيق الأكبر لتقدم الاقتصاد؛ فالحكومة وحجمها وشبقها للإنفاق غير الكفؤ هو سبب ما نحن فيه، وها نحن ندفع كل يوم وبكلف مرتفعة أثمان التخبطات المتتالية.
العرب اليوم 2/9/2012

Views: 330

Comment

You need to be a member of أردن مبدع to add comments!

Join أردن مبدع

Latest Activity

Doha Abdelkhaleq Salah posted a blog post

سعادة دوتْ كومْ !

 سعادة دوتْ كومْ !ضحى عبد الخالـقأُصاب بحالة موسميّة من القلق تتزامن  بالعادة مع التغيّير المُفاجىء في الأحداث أو تأتي مع تقلّب الفصول ! فماذا أضعُ على مائدتي أو إلى ماذا أنظرُ من شرفتي وعلى شاكلة ذلك من أسئلة روتينيّة, تتحوّل فجأة إلى تجلّيات في منتهى الصعوبة! وبأىّ حال يعود الصيفُ وماذا سيحملُ معه بعد ربيع مُرتبك؟ هل أشتري مثلاّ مُكيّفاّ أم تذكرة سفر؟ وهل سيكون الفصلُ الجديدُ "مهرجاناّ" أم "مولداّ" بإزمات خانقة وأسعار حارقة؟  وكيف هى "الموضة" في هذا الموسم؟ هل ستكون "ليبيرالية" أم "مُحافظة"…See More
Tuesday
Yusuf Mansur posted blog posts
Tuesday
Yusuf Mansur posted a blog post

الطلب على العقار 2013

رغم ارتفاع أسعار الشقق وتدني القدرة الشرائية للمواطنين نتيجة المصاعب الاقتصادية التي يمر بها الأردن، غير أن هنالك زيادة في الطلب على العقارات عن المعدل الطبيعي (الأعوام السابقة)، فقد ارتفع حجم التداول في سوق العقار المحلية خلال الثلث الأول من 2013 بنسبة 40 بالمئة مقارنة بالفترة ذاتها من العام 2012؛ وارتفع حجم التداول في سوق العقار خلال شهر نيسان فقط من العام الحالي بنسبة 46 بالمئة مقارنة بالشهر نفسه من العام 2012؛ ليبلغ 584 مليون دينار تقريباً، وبارتفاع بلغت نسبته 65 بالمئة مقارنةً بشهر نيسان…See More
May 12
Yusuf Mansur posted blog posts
May 7
UrdunMubdi3 posted a discussion

How To Tell If You’re Creative (Hint: You Might Be A Bit Of A Jerk)

Co.Create, by: A new personality test determines the markers of a creative mind.Forget Myers-Briggs. A study out of BI Norwegian Business School has determined the signposts of a "creative" personality. Conducted by Professor Øyvind L. Martinsen, the…See More
May 7
Yusuf Mansur posted a blog post

لطفا...دعوا السيارات السياحية

ستغرب حضور الحكومة الباهر في تحفيز عالم الأعمال لدينا، وكأن أحدا ما أعلمها من دون ان يخبرنا بأنها هي، هي وحدها، من يفهم في الصناعة والتجارة، وأن ما فيها من مفكرين فطنين ومبدعين نجحوا في وضع البلاد على خارطة النجاح منذ سنين يكفيها علما ورؤية ولا يحتاج إلى أن يناقش أحدا من خارج الحكومة. ولنأخذ مثالا على هذا الأداء الباهر تخبط قرارات الحكومة في قطاع السياحة، وعلى الأخص السيارات السياحية، وكيف يلعب القرار الحكومي بارزاق أصحابها.يبلغ عدد مكاتب تأجير السيارات السياحية في المملكة حوالي 235 مكتبا، منها…See More
May 5
Yusuf Mansur posted blog posts
Apr 30
huda -alhanayfah posted a blog post

وادي شعيب.. تنوع بيئي يقتله الاهمال الرسمي وعبث المتنزهين

* اعد هذا التقرير لصالح مضمون جديد مع تفتح اولى زهرات آذار يبسط وادي شعيب في الشونة الجنوبية رحابة مائه وخضرته لاستقبال الاف الاردنيين الذين يشدوناليه الرحال في اجازاتهم. وثمة علاقة وثيقة تربط الأردنيين بهذا الوادي الذي حفر في وجدانهم مذ كان يتصدر خارطة رحلاتهم المدرسية، ثم استمر بعد ذلك متنفسا في اجازاتهم يفرون اليه من ضغوط…See More
Apr 28
Yusuf Mansur commented on Yusuf Mansur's blog post سخان شمسي وقرارات أخرى
"اتفق معك تماما  د. رشاد وهي طاردة للمواهب النادرة كما نعلم"
Apr 28
Rashad Hurani commented on Yusuf Mansur's blog post سخان شمسي وقرارات أخرى
"أحيانا تحتار كيف يبتدعون الهبل في الاردن. قريبا سنرى من يؤجر  سخانات شمسية لخداع السلطة واستحصال الاوراق اللازمة ثم يعاد فك السخان ويؤجر لاخرين. ميئوس منها ادارة الاردن-لا اقول حكومة لان الحكومة تعني شئا اخر"
Apr 23
Yusuf Mansur posted blog posts
Apr 23
Doha Abdelkhaleq Salah posted blog posts
Apr 21
Creative Commons License
Except where otherwise noted, this site is licensed under Creative Commons 3.0. Feel free to share and remix in any way you choose - explore, create something remarkable and spread it!

© 2013   Created by UrdunMubdi3.   Powered by

Badges  |  Report an Issue  |  Terms of Service