استعرضت مؤخرا الأرقام الرسمية المعلنة لمعدلات الإنفاق الحكومي والدين العام في عهود الحكومات المختلفة على مدى الفترة 2005-2011، في مقالين "من المسؤول عن عجز موازنة الحكومة؟" و"من المسؤول عن الدين العام؟".
وحسب التعليقات عليها، فلقد أثارت هذه المقالات حفيظة البعض، وهو أمر جيد، والأهم هو أن واحدا من التعليقات أشار إلى أن المقالات لم تجب على من هو المسؤول عن هاتين المشكلتين، لذا أجيب في هذا المقال على هذا التساؤل.
المفروض للمتتبع للأرقام أن يقرأ منها ويستشف بسهولة أي الحكومات أضافت للعبء الذي نعاني منه الآن.
فبنظرة سريعة يستطيع المرء أن يجد أن إحدى أسوأ الحكومات أداء كان الحكومة التي أنفقت واستدانت أكثر بكثير من غيرها كنسب مئوية، ووسعت من حجم الحكومة ومعدلات توظيفها (وهو ما أشرت إليه في مقالات كثيرة سابقة) لتفوق المتوسط، وسددت دين باريس من حصّالة أموال التخاصية بعد أن فقد الخصم الممنوح قيمته نتيجة تراجع العملة (الدولار وبالتالي الدينار المرتبط به) مقابل عملات الدين المسدد، وإنشاء مؤسسات مستقلة جديدة عديدة لترفع من حجم بند المؤسسات المستقلة إلى الضعف في الموازنة ليقارب 2 مليار دينار.
وحسب الأرقام وتصرفات الحكومات والوقائع، فإن أفضل الحكومات في تلك الفترة برأيي كانت الحكومة الأفضل هي التي كان وزراؤها يتصرفون كفريق واحد، كما حاولت تقليل عدد المؤسسات المستقلة، وتقليل الدين العام والإنفاق، وتقوية القدرات المؤسسية لرئاسة الوزراء (حيث يجب أن يصنع القرار الاقتصادي السياسي)، والاهتمام غير المسبوق من قبل غيرها بتراجع أداء الأردن حسب المؤشرات العالمية. ويؤخذ عليها أيضا استمرار بعض الممارسات المعهودة كتأخير إنفاق المخصصات وغيرها، وهي أمور مورست قبل مجيء هذه الحكومة.
ولكن تلك الحكومة كانت سيئة التوقيت حيث أتت مع ارتفاع أصوات المعارضة مع بدء الربيع العربي، واختلاط هذه الأصوات بتذمر أصحاب المصالح الخاصة (الريعيون، وهم المتكسبون من تدني أداء الحكومة وكبر حجمها) ممن أثار حفيظتهم انحسار فرص التوظيف في عهد هذه الحكومة، مما أدى بالحكومة إلى رحيلها المبكر رغم صحة عموم توجهاتها، ولو استمرت لكانت فعلت خيرا بالاقتصاد الأردني، وربما كان أداؤها الأفضل بين حكومات الفترة.
أما المسؤول الرئيسي عن الأداء المتوسط أو دون المتوسط للحكومات، فهو ضعف المؤسسات والاعتقاد أو الفكر السائد بأن الشخص السوبرمان هو المهم، وليس السوبرمؤسسات.
وهو مبدأ أشرت إليه وكتبت فيه كثيرا في السابق حيث طالبت بالعودة للمؤسسات القوية الفاعلة وليس الأشخاص، وحذرت منه، حتى حين لم تكن الكتابة في الموضوع شائعة أو مقبولة، ورغم وجود السوبرمانات في مراكز القوة آنذاك وممن أضعفوا مؤسسات البلد وتجنوا على خبز الشعب لصالح سيرتهم الذاتية رغم وضوح عدم كفاءتهم وقصور قدراتهم.
وبالنسبة لسؤال أحد الإخوة عن مدى استفادة البلد من كل النظريات الاقتصادية، فالإجابة سهلة: الأردن لا يستفيد من أي منها، ولا يتبع أيا منها، بل يتنقل بينها مع رحيل وقدوم الأشخاص "السوبرمانات".
فيتغير الفكر والتوجه وطريقة عمل المؤسسات مع تغير الأشخاص، وغالبيتهم ممن ليس لهم علم بهذه النظريات، كما أنهم لم يكونوا يوما بحاجة لاتباع أحدها لأنهم معينون وليسوا منتخبين من أحزاب ذات مدارس فكرية معروفة ومؤسسية.
أما المدرسة الفكرية التي أتبعها وأؤمن بها، وخاصة بعد مراقبة ودراسة الاقتصاد الأردني على مدى 20 عاما، فهي خليط من الكينزية (أن يكون للحكومة دور في تفعيل الاقتصاد، وهي من أكثر النظريات مطابقة برأيي لواقع واحتياجات الدول النامية) والمدرسة المؤسسية (Institutional Economics) والتي تعنى بفهم دور العملية التطورية ودور المؤسسات (الرسمية وغير الرسمية) في تشكيل السلوك الاقتصادي، خاصة لأن اقتصادنا ريعي من الطراز الأول، وليس شبه ريعي كما يعتقد البعض.
والقصد من سرد الأرقام التاريخية هو في بيان الخلل المؤسسي في الاقتصاد السياسي الأردني، والحاجة إلى مراكز فكر بحثية تتابع هذه الأرقام وتطلق صفارات الإنذار، والتأكيد على ضرورة إشراك الجميع لتحسين الوضع الاقتصادي وليس من في الحكومة فقط.
أرجو أن نستطيع ذلك معا من خلال تحاليل مؤسسية موضوعية تستثمر قدرات البلد، وحوار يحترم الرأي الآخر. العرب اليوم 13/8/2012
Yusuf Mansur posted a blog post
Doha Abdelkhaleq Salah posted a blog post
Yusuf Mansur posted a blog post
UrdunMubdi3 posted a discussion
Yusuf Mansur posted a blog post
huda -alhanayfah posted a blog post
Yusuf Mansur commented on Yusuf Mansur's blog post سخان شمسي وقرارات أخرى
© 2013 Created by UrdunMubdi3.
Powered by
You need to be a member of أردن مبدع to add comments!
Join أردن مبدع