رافق ربيع العرب في الأردن إرهاصات كثيرة منها حملة التفتيش غير المسبوقة التي أدت إلى إغلاق مطاعم كثيرة منها سلسلة مطاعم عالمية ومحلات حلويات معروفة، وبعد الإغلاق الذي استمر لساعات ودفع الغرامات المترتبة للحكومة عادت هذه المؤسسات لتقدم خدماتها وكأنها بدفع الغرامة قد صححت مواضع الخلل، وعاد المواطن بنوع من الحذر ليستهلك ما تقدمه.
ليس الهدف من الرقابة والتفتيش دفع الغرامات للحكومة بل حماية صحة المواطن وحقوق المستهلك، وهو ما يدعو للحكم بفشل الإجراءات الحالية والمطالبة بممارسة أفضل.
هنالك ما يسمى في علم الاقتصاد بمبدأ "عدم تساوي المعلومة" (Information Asymmetry) بين البائع والمشتري، وهي معضلة حقيقية فالمشتري قد لا يكون خبيرا في ما يشتريه ليعلم محتويات السلعة التي يشتريها، بينما يعلم البائع بفساد المحتوى وأضراره ويستمر في استخدامه ليقلل من التكاليف.
وبالتالي قد لا يستطيع المستهلك الحكم على جودة السلعة إلا بعد استهلاكها، وقد يتضرر مباشرة كأن يتسمم أو يحدث له مكروه خلال فترة زمنية بسيطة بعد الاستهلاك أو بعد زمن طويل دون أن يعلم أن هذه السلعة هي ما تسبب في الضرر الحاصل.
ولقد تعاملت الدول المتقدمة والعديد من الدول النامية مع هذه المشكلة من خلال قوانين وتشريعات لحماية المستهلك.
أما نحن في الأردن فلا نزال دون تشريع لحماية المستهلك، وما زال الاعتماد الكلي في مراعاة حقوق المستهلك على مفتشي وزارة الصناعة والتجارة ومؤسسة المواصفات والمقاييس والأمانة وغيرهم، الذين يحررون المخالفات فقط حين يكتشفوها، وإذا ما قاوموا الرشاوي من قبل أصحاب الأعمال، مما يضع المستهلك أيضا تحت رحمة أخلاق وضمائر المفتشين.
ولكن، وبافتراض سمو أخلاق المفتشين وترفعهم جميعا عن إغراءات ورشاوي أصحاب العمل من مقدمي السلع، تبقى عملية التفتيش منقوصة، فهي تأتي بعد وقوع الجرم أي أن مئات المستهلكين يكونون قد تضرروا قبل حدوث التفتيش، وهو أمر ممكن وواقع، وخاصة أن عدد المفتشين لا يكفي لمتابعة كل دكان ومطعم أو مصلحة تجارية في الأردن، كما أن وقوع الكثير من المخالفات يدل على فشل العملية الحالية لأن الهدف هو أن لا تقع المخالفة لأن الجميع يعمل بالشكل الصحيح.
ثم إن العقوبة قد تكون إغلاق لساعات أو دفع غرامة غير رادعة بتاتا لأصحاب المطاعم الكبيرة وقاسية بالنسبة لأصحاب الأعمال الصغيرة وبالتالي تؤدي إلى إفلاسهم نتيجة أخطاء قد تكون غير متعمدة أو ناجمة عن ارتفاع أسعار المدخلات بسبب التشريعات الحكومية أو الاحتكارات في السوق.
كما أن المستهلك، وبعد حدوث الضرر، لا يستطيع عادة أن يطالب بالتعويض الملائم، وخاصة أن صاحب العمل قد يكون لديه قدرات أرقى وأقوى بكثير على التفاوض من تلك المتوفرة للمستهلك.
الحل هو تشريع وتنفيذ قانون حماية مستهلك عصري يمارس أفضل التجارب العالمية؛ وسينجم عنه أن يقوم كل صاحب عمل على الحصول على "تأمين ضد الغير" لحمايته من مطالبات المستهلكين الذين سيمكنهم القانون من مقاضاته.
وبهذا تقوم شركات التأمين أيضا بالتفتيش وبشكل دوري على المطاعم والمؤسسات، وفي حال وجود مخالفات واقعة أو ممكنة تبلغ شركة التأمين صاحب العمل عن وجودها مباشرة، وإن لم يقم بتصحيح أوضاعه قد ترفض شركة التأمين منحه البوليصة أو ترفع أقساط التأمين على مؤسسته مما يرفع من كلفة مزاولة المهنة عليه، الأمر الذي سيحث المؤسسات على تحسين جودة مدخلاتها ومخرجاتها من الداخل وليس فقط لدرء خطر غرامة أو عقوبة مادية قد تكون بسيطة جدا بالنسبة للضرر المتحقق أو لكلفة التحسين المطلوب.
لا يلغي هذا الاقتراح، وهو ممارسة فضلى ومعمول بها عالميا كما أشرت سابقا، من ضرورة الإبقاء على عمليات الرقابة والتفتيش من قبل الجهات الحكومية المعنية، ولكنه يجعل منها إضافة وواجبا حكوميا تنظيميا وليس المصدر الوحيد لمتابعة حقوق المستهلكين.العرب اليوم 29/7/2012
Yusuf Mansur posted a blog post
Doha Abdelkhaleq Salah posted a blog post
Yusuf Mansur posted a blog post
UrdunMubdi3 posted a discussion
Yusuf Mansur posted a blog post
huda -alhanayfah posted a blog post
Yusuf Mansur commented on Yusuf Mansur's blog post سخان شمسي وقرارات أخرى
© 2013 Created by UrdunMubdi3.
Powered by
You need to be a member of أردن مبدع to add comments!
Join أردن مبدع