يستغرب المرء في القرن الواحد والعشرين في الأردن، برقعته الصغيرة وعدد سكانه القليل نسبيا ورغم تناوب الأمواج البشرية عليه ومنذ آلاف السنين، وعهود طويلة من التلاحم والتزاوج والاختلاط في الأعراق والأنساب لا يزال الإنسان يوضع في مجموعات تحط أو ترفع من مستواه وقدراته في نظر الآخرين وفي المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، وكأن مكان ولادته أو دينه أو جنسه يؤثر في انتمائه وأدائه. فنجد الشخص يتحيز ضد آخر لأنه ولد شرق أو غرب النهر، أو أتى من الشمال أو الجنوب أو الوسط. ولأن تعريف التمييز العنصري لا ينطبق على الأردنيين، حيث أن التمييز لدينا بدأ إقليميا محضا ثم توسع ليشمل الجنس البشري وغيره، فإن ما تجذر لدينا من تمييز لا بد وأن يكون من أسخف وأحط أنواعه.
يرفض علم الاقتصاد التمييز بين الناس من حيث المبدأ لا لأنه غير أخلاقي (مع أنه مذموم من الناحية الأخلاقية طبعا)، ولكن لأنه يقلل من حجم الاقتصاد نتيجة تمزيق العقد الاجتماعي وتحفيز الريعية في التعامل بدلا من اعتماد الكفاءة والتنافسية. فمن خلال التمييز يرفض فلان توظيف آخر لأنه من هنا أو هناك؛ ويشك الشخص بالمواطن الآخر لأنه من جهة أخرى فلا يتعامل معه بذات المصداقية التي يتعامل بها مع ابن عشيرته أو جهته فتصعب العلاقات الاقتصادية وتصبح أقل كفاءة. ولأن التمييز طريقة تفكير، فإن أي مبادرة من الآخر تضعه موضع شك وتقلل من فرصه في السعي لتحسين الذات وإعمار البلد. ولأن التمييز ضد البعض يؤدي الى منح فئة ريعا ما كان ليتحقق لولا التمييز، نجد أن التمييز متى بدأ يستمر ويصعب التخلص منه إلا بتشريعات حكومية صارمة تعاقب كل أنواعه (العرق، الدين، الجنس، العمر، وغيره).
ولأن التمييز طريقة تفكير تهيمن على العقول فيجعلها تعمل على حصر الناس وتأطيرهم في مجموعات أو مجاميع تسم جميع أفرادها بما تشاء من صفات لا تقرب من العقلانية أو الفكر المستنير بشيء، لا تزال المرأة تعاني في الأردن من مغبة ووطأ الحقوق المنقوصة، فهي ضحية جرائم ما يسمى بجرائم الشرف بينما ينجو الرجل بل ويفخر بما يرتكبه، وهي إن تزوجت من غير أردني لا تستطيع أن تنعم بجنسية لأولادها بينما يستطيع الرجل أن يتزوج من جميع بقاع العالم لتحظى زوجه وأولادهم بجنسية بلده، وتبقى المرأة الأردنية الضحية الأكثر ضررا من الطلاق؛ ولأن حقوق المرأة منقوصة، لا تشارك ست نساء من سبع في سوق العمل.
ولقد اندرج هذا التمييز على من لجأ إلى الأردن من أخوة من دول شقيقة كالعراق التي كانت تمنح الأردن سنويا مئات الملايين من الدولارات من الدعم، وكان طلابنا يتخرجون من جامعاتها قبل أن تكون لدينا جامعات، ويعمل أبناؤنا فيها بكل كرامة واعتزاز، فيضخون مدخراتهم وعملات صعبة تدعم عملتنا واقتصادنا، وكنا نستقبل أهل العراق إخوة وأحبة قبل ان يجير عليهم غبن دكتاتور وغطرسة الغرب. ثم، وحين تبدل الحال، قمنا بلومهم على كل ما أحط من الاقتصاد رغم معرفتنا التامة أن سوء الإدارة والفساد، وهما صناعات تحظى برعاية وطنية، كانا وراء تراجع الاقتصاد بعد أن أنفق إخوتنا العراقيون أموالهم مستثمرين ومشغلين لإخوتهم في الأردن، فكانوا أحد أهم أسباب انتعاش الاقتصاد وعصره الذهبي في الزمن الغابر القريب، فنعمنا بمعدلات نمو أرقام ما كانت ولن تتحقق من جديد إلا بنزوح بشري آخر يحفّز الطلب ويعيد الناس إلى العمل.
كما ويندرج هذا التمييز على كل اللاجئين للأردن وينسى الناس أن ازدياد عدد السكان يزيد من الطلب ويشغل الاقتصاد، وأن إنفاقهم هبة للأردن وليس نقمة، وأننا كان يجب أن نوظف هذه الثروات المادية والبشرية في ما يفيد البلد على المدى الطويل ونتيح لها فرص العمل ليصبح أصحابها بين ظهرانينا أخوة متساوون في الحقوق والفرص، ولكننا أضعنا الفرصة لتستقبلهم أمريكا وكندا والاتحاد الأوروبي، وهي دول تتقدم علينا بالكثير وأقل حاجة منا لعطاء اللاجئين، فتستفيد من مهاراتهم وثرواتهم التي تركتنا إلى غير رجعة.
وبالمناسبة، لا بد وأن الخطاب الحكومي الساعي للمزيد من معونات الغرب والعُرْب كلما طرق لاجئ باب الأردن ساعد على ترسيخ هذا التمييز ومنحه نوع من المصداقية، غير أن الذكي يعلم أن الخطاب الرسمي يسعى لتحقيق ريع من مصائب هؤلاء اللاجئين ليتدفق دخل للحكومات ما كان ليتحقق لولاهم، وتحصل الحكومة على أكثر مما تنفق عليهم فتكون الرابح الأول.
حتى الأيتام لم ينجوا من هذا التمييز، بل إن المؤسسات الحكومية ساعدت فعلا عليه وجعلته دائما، وكأن هؤلاء ليسوا أبناء وبنات أخواننا وأخواتنا، فأعطاهم المشرع أرقاما وطنية خاصة تميزهم إلى الأبد وتحط من فرصهم في العطاء والعيش الكريم. هل ذنبهم أنهم ولدوا؟ ما دخلهم بضعف من منحهم الحياة ثم تبرأ منهم؟ وما الهدف من التمييز ضدهم، وهو سؤال ليس بحاجة لإجابة لأن مثل هذا التفكير لا بد وأن يكون دون المستوى وأقل بكثير مما يستحقه الأردن شعبا وأمة واحدة.
ألم توجد الدولة الحديثة لتحتوي الجميع أم أن دولنا وجدت لتقصي الآخر؟ كفانا فكرا يؤدي إلى تشرذم الناس وتفريقها. وإلى كل من يعتد بنسبه دعوني أذكره بأن واحد من كل 400 شخص في العالم يدين بحامضه النووي لجنكيز خان، وأن منطقتنا توالى عليها الإغريق واليونان والرومان والتتار والصليبيين وغيرهم، لذا "لا تقل أصلي وفصلي إنما أصل الفتى (أو الفتاة) ما قد حصل".
Rashad Hurani commented on huda -alhanayfah's blog post انتشار كثيف لابراج الاتصالات يثير قلق سكان المقابلين
huda -alhanayfah commented on huda -alhanayfah's blog post انتشار كثيف لابراج الاتصالات يثير قلق سكان المقابلين
Yusuf Mansur posted a blog post
Doha Abdelkhaleq Salah posted a blog post
Yusuf Mansur posted a blog post
UrdunMubdi3 posted a discussion
Yusuf Mansur posted a blog post
huda -alhanayfah posted a blog post
© 2013 Created by UrdunMubdi3.
Powered by
You need to be a member of أردن مبدع to add comments!
Join أردن مبدع