من المسؤول عن الدين العام؟

لم يكن ما وصل إليه الأردن اليوم من دين متنامٍ يفوق 17 مليار دينار نتيجة تصرفات أية حكومة واحدة أو سنة واحدة، فدراسة سريعة لوتيرة نمو الدين العام تثبت أن حكومات متعاقبة، ومنذ 2005، قامت برفع الدين العام على مدى السنوات 2005-2011.
تنامى الدين العام بمعدل 28.9 بالمئة سنويا في الفترة 2005-2011 من 2.5 مليار دينار تقريبا في 2005 ليصل إلى حوالي 11.9 مليار دينار في 2011. وبالنظر إلى فترات محددة ضمن هذه المدة الزمنية، نجد أن الدين العام نما من 2.5 مليار دينار إلى 5.7 مليار دينار في الفترة 2005-2008، أي أنه نما في فترات كان الاقتصاد ينمو فيها بمعدلات نمو غير مسبوقة، مما يدل على أن نهج الإنفاق الحكومي كان ( Pro Cyclical) أي مسايرا للاتجاهات الدورية للأعمال والاقتصاد، فينمو حجم الحكومة ونفقاتها مع نمو الاقتصاد وينخفض مع انخفاض معدلات النمو.
وهو نهج مغاير تماما لما توصي به النظرية الاقتصادية الكينزية، حيث توصي هذه المدرسة الاقتصادية بأن يعاكس بل ويكافح الإنفاق الحكومي دورة الأعمال (Counter Cyclical).
والمنطق أو أسس توصية الكينزيون هو أن زيادة وتيرة الإنفاق في وقت يكون فيه إنفاق القطاع الخاص من استهلاك واستثمار كلي مرتفعين (فتكون الدورة الاقتصادية في موقع مرتفع) يؤدي إلى زيادة الغلاء والتضخم وإذا ما قللت الحكومة من إنفاقها (استعملت موازنات تقشفية) في فترة التراجع في معدلات النمو فإنها تؤدي بذلك إلى تعميق التراجع في الدورة الاقتصادية وتقليص معدلات النمو أيضا.
الوضع الصحيح حسب هذه المدرسة يتطلب في حال تراجع الإنفاق الكلي من قبل القطاع الخاص وهبوط الدورة الاقتصادية مع تراجع معدلات النمو أن تزيد الحكومة من الإنفاق لتحفز معدلات النمو ثانية وتعيد روح النشاط إلى الاقتصاد.
وفي الغالب ما تكون السياسات الاقتصادية للدول المتقدمة (أعضاء دول مجلس التعاون والتنمية، OECD) مكافحة للدورة الاقتصادية، بينما نجد أن الكثير من الدول النامية تستخدم سياسات شبيهة بتلك في الأردن، أي أنها مسايرة للاتجاهات الدورية للاقتصاد.
وبينما تطالب المدارس الاقتصادية الأخرى كالكلاسيكية، والكلاسيكية المتجددة، والمدرسة النقدية، وحتى مدرسة جانب العرض بعدم تدخل الحكومة في الدورة الاقتصادية، فإن أياً من هذه المدارس لا توصي بأن تعتمد السياسة الإنفاقية الحكومية مبدأ مسايرة الاتجاهات الدورية للأعمال لما في ذلك من ضرر واضح، غلاء إضافي في فترة الذروة وتراجع أعمق في فترة التراجع.
ومن الجدير بالذكر أن أعلى نسبة نمو للدين العام كانت في 2007- 2008 حيث نما الدين العام 55.7 بالمئة ليقفز من 3.7 مليار دينار تقريبا إلى 5.8 مليار في عام واحد، وفي خلال فترة ثمانية أشهر من سداد دين باريس واستخدام مجموع أموال التخاصية لذلك، مما يدل على أن الحكومة زادت من نفقاتها 4 مليارات دينار تقريبا ذلك العام وهي قفزة كبيرة بينما كان معدل النمو الحقيقي 7.2 بالمئة في 2008، أي أنها استمرت بل سارعت في استخدام نهج السياسة الإنفاقية غير المحبذة من كل المدارس الفكرية الاقتصادية.
كما استمرت الحكومات بعد ذلك بزيادة الدين العام بمعدل 2 مليار سنويا إلى أن وصل الأردن للمعدل الحالي، وليأتِ انقطاع الغاز المصري بديون جديدة لشراء النفط بدلا من الغاز في فترة تعافي الاقتصاد العالمي وقبل بدء التراجع ليكون سعر النفط مرتفعا ونبدأ بسياسة تقشفية لسداد الدين أو تخفيضه ومواجهة المصاعب الحالية وانتظار الدعم من الخارج. وبشكل عام، لم يقرع تراكم هذه الديون ناقوس الخطر لدى أي من الجهات الرقابية كالبرلمان وغيره في الفترات السابقة، الأمر الذي يدعو جديا الى ضرورة مراجعة نظام الحوكمة في الأردن.العرب اليوم 1/8/2012

Views: 50

Tags: debt, deficit, government

Comment

You need to be a member of أردن مبدع to add comments!

Join أردن مبدع

Latest Activity

Yusuf Mansur posted blog posts
21 hours ago
Yusuf Mansur posted blog posts
Saturday
Ahmad Sami updated their profile
Friday
Adli kandah posted a blog post

ضمان ودائع البنوك الإسلامية وزيادة الثقة بالجهاز المصرفي

 جريدة العرب اليوم10/06/2013 د.عدلي قندح  التعديلات التي أقرها مجلس الوزراء على قانون مؤسسة ضمان الودائع رقم 33 لسنة 2000 بناءً على تنسيب مجلس إدارة مؤسسة ضمان الودائع، وبعد الحصول على موافقة مجلس الإفتاء العام في المملكة، التي بموجبها دخلت البنوك الإسلامية الأربعة العاملة في المملكة تحت مظلة مؤسسة ضمان الودائع لمبلغ الوديعة التي تقل عن 50 ألف دينار، خطوة بلا شك تستكمل وضع البنوك العاملة في الأردن كافة على المسار الصحيح.إن أهمية هذه الخطوة تنبع من كون أن حصة البنوك الإسلامية الأربعة تصل إلى…See More
Jun 10
Doha Abdelkhaleq Salah posted a blog post

في الإستقلال الجديد

في الاستقلال الجديدبقلم ضحى عبدالخالقتناول بعض المواقع الإلكترونية توقيت انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي "دافوس" في الأردن، والذي تزامن مع يوم الاستقلال، بشيء من السلبيّة. فلاحتفاليات يوم الاستقلال في تاريخ ووجدان عدد مهّم وكبير من الأردنيين، طقوس ومرجعيّات لم يكن مُدرجا فيها قط افتتاح مؤتمر دولي يحمل اسم مدينة محظيّة من سويسرا، أو حتى الحديث باللغة الإنجليزية؛ فهو اليوم المشحون اختزالا لذاكرة جيل عتيد من بناة الدولة الأوائل، من رجال تضحية وأشاوس، نشأت على صوت المعارك، وتربّت في زمن المرابطة…See More
Jun 6
Yusuf Mansur posted blog posts
Jun 4
Yusuf Mansur posted a blog post

نصائح من جوزيف ستيغلتز

زار الأردن قبل ايام احد أهم نجوم علم الاقتصاد، البروفيسور جوزيف ستغلتز، الحائز على جائزة النوبل في الاقتصاد (2201) نتيجة عمله وبحوثه في ما يسمى "المعلومات غير المتماثلة" (أي عدم تساوي المعلومة بين طرفي عملية البيع والشراء أو المبادلة)، واستضافه مشكورا المجلس الاقتصادي والاجتماعي ومعه ثلة من المهتمين بشؤون الاقتصاد في الأردن وتحدث هذا العالم النابغ عن عدة أمور ألخص بعض أهم النقاط منها هنا.لقد أضر أمريكا وجود وتنامي اللامساواة أو العدالة في توزيع الدخل باقتصادها، خاصة أن 1% من السكان أصبحوا…See More
Jun 2
Rashad Hurani commented on Yusuf Mansur's blog post Letter of intent
"I think the EMF is playing the role of a caring mother- try your best my son, I promise everything will be alright; and the government knows that and plays accordingly. The process on the ground that counts, and it is as astray as ever."
May 28
Yusuf Mansur posted blog posts
May 28
Yusuf Mansur posted blog posts
May 27
Adli kandah posted blog posts
May 23
huda -alhanayfah posted blog posts
May 20
Creative Commons License
Except where otherwise noted, this site is licensed under Creative Commons 3.0. Feel free to share and remix in any way you choose - explore, create something remarkable and spread it!

© 2013   Created by UrdunMubdi3.   Powered by

Badges  |  Report an Issue  |  Terms of Service