لتخفيض البطالة والفقر والتعامل بشكل استراتيجي مع المتغيرات العالمية (تقلبات أسعار النفط والعملات) والإقليمية (الغاز، ثورات الربيع العربي، وغيرها) لا بد من وجود حكومات مستقرة تعمل بشكل متواصل لأكثر من عامين، ومتابعة حثيثة ولفترات طويلة من خلال مؤسسات قائمة على الكفاءة والتخطيط الاستراتيجي والعمل المؤسسي وسياسات اقتصادية ثابتة، ومتابعة وتقييم ومساءلة من خارج الحكومة. للأسف جميع هذه المواصفات غير موجودة، ولن تتواجد دون إصلاح سياسي.
فعلى الرغم من استقرار السياسة النقدية (رغم أني انتقدتها في السابق لكونها متحفظة جداً وأحد أسباب دخول الأردن في الأزمة المالية العالمية وما حصل لاحقاً من تراجع اقتصادي مزمن)، واستقرار سعر صرف الدينار، غير أن السياسة المالية (إنفاق، ضرائب، رسوم، ودعم) للحكومة تتميز في كونها وبصراحة: سيئة (تركز على التوظيف في الحكومة وتوسيع الإنفاق دون تنمية)، تفاعلية (تتعامل مع الأزمات بعد أن تحدث)، آنية (لا تعتمد استراتيجيات متوسطة أو طويلة الأمد)، ومتسقة تماما مع الدورة الاقتصادية حيث تزيد الحكومة من نفقاتها حين يكون الاقتصاد في مرحلة توسع أو معدلات نمو مرتفعة وتقلل من إنفاقها حين يكون هنالك انكماش وهو العكس تماما للمطلوب، حيث يجب أن تنخفض نفقات الحكومة مع ازدهار الاقتصاد لكي لا تزيد من الغلاء وترتفع حين ينكمش لترفع وتيرة الطلب فتنعش النمو.
السياسة المالية المشاكسة لنواميس الاقتصاد تسببت في تراكم العجز والدين وانكماش الاقتصاد نتيجة مزاحمة الحكومة للقطاع الخاص في الاقتراض من البنوك وتوظيف العمالة.
كما أن النظرة الاقتصادية أو التوجه الاقتصادي العام تركز حول تنمية معدلات النمو وليس التنمية (والتي ترتكز أساسا على العدالة في توزيع الدخل والمكتسبات)، وهو أمر خطير تم تناسيه على مر السنين مما أدى إلى تزايد الهوة بين الفقراء والأغنياء، بل وإفقار الفقراء أكثر نتيجة ارتفاع الأسعار مع ثبات أو قلة نمو الدخل. ويتبين ضعف التوجه نحو النمو (وهو متوسط يخفي في طواياه من كسب أو خسر نتيجة الحراك الاقتصادي) بدلا من التنمية.
وفي التجربة الأردنية، كان تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الغالب في العاصمة، مما رفع الأسعار في المحافظات الأخرى نتيجة تمحور النشاط الاقتصادي أيضا في العاصمة دون توليد فرص عمل خارج العاصمة مما حدا بالحكومة الى توسيع التوظيف.
ولأن طبيعة النشاط الاقتصادي كان في مجال البناء والعقارات فإنه لم يفد العمالة الماهرة الأردنية التي نصدرها دون أدنى اكتراث لهذه الخسارة لروافد التنمية في الأردن كما أدى إلى وجود مستويات عرض أعلى من الطلب للشقق والمكاتب والأبنية وحصول فائض صعب في السوق، خاصة مع تذبذب قرارات إعفاء ووضع الرسوم من حكومة إلى أخرى.
الواضح من المعادلة الأردنية أن تذبذب القرارات يضر بالنشاط الاقتصادي، ووجود حكومات متتالية مختلفة النهج في التفكير والتطبيق دون رؤية وأهداف وطنية متفق عليها وملزمة للمؤسسات الحكومية وغيرها وقصر نظر القرارات وعدم وجود مساءلة وطنية ومؤسسية أدى إلى صعوبة تنفيذ أي توجهات تنموية.
ورغم أن النمو ما زال ممكنا في ظل متغيرات إقليمية وعالمية، غير أن هذا النمو ليس من النوع المستدام، فهو نتيجة طفرات وعوامل خارجية لا قدر لنا بها و لا قوة، مما يجب أن يدعونا إلى تمكين مؤسسات وطنية منتخبة تكون مسؤولة لمعارضة مؤسسية تراقبها وتقيم أعمالها لتقوم بمهام الحكومة القائمة إن فشلت في تحقيق الأهداف الوطنية المطلوبة منها والمتفق عليها وطنيا.
لذا فإن الإصلاح المطلوب هو إصلاح سياسي أولا، وما سيأتي بهذا الإصلاح سيكون حالة التراجع الاقتصادي التي قد تنجم نتيجة محاولات علاج مظاهر أو ثمار بائسة لمشاكلنا الاقتصادية وليس لمسبباتها.
وإذا أراد اصحاب القرار تأجيل الإصلاح السياسي فليقوموا بتنشيط الاقتصاد وخلق حالة من الرخاء والطمأنينة من خلال استغلال دفق المعونات وتشغيل القطاع الخاص وسداد دين الحكومة له مما سيؤجل ولوقت قصير من إصلاحات لا بد منها.العرب اليوم 10/6/2012
Comment
Comment by Nadine Toukan on June 11, 2012 at 6:31am Good points Yusuf. But I don't understand how it's possible to speak of one area and not the other. The transformation we ache for is holistic - it's political and economic and cultural and social and emotional and psychological and attitudinal and experiential, and they are all connected and interconnected. Instead of the endless debate we've been having for the last couple of years about what should come first, isn't it time we drew up a full picture and looked at how the fundamental components of it need to come together? Yes, there are stages where one building block must be set right to achieve the next, but if we don't know what the full picture we want looks like and how the elements fit together, what should come first becomes very subjective, erratic and probably not very inclusive.
Yusuf Mansur posted a blog post
Doha Abdelkhaleq Salah posted a blog post
Yusuf Mansur posted a blog post
UrdunMubdi3 posted a discussion
Yusuf Mansur posted a blog post
huda -alhanayfah posted a blog post
Yusuf Mansur commented on Yusuf Mansur's blog post سخان شمسي وقرارات أخرى
© 2013 Created by UrdunMubdi3.
Powered by
You need to be a member of أردن مبدع to add comments!
Join أردن مبدع